الثقافة الرقمية من اللامركزية الى احتكار الانتباه
أكيد مرت عليكم عبارة "السوشل ميديا أفقدتنا العمق وصرنا نشوف كل شيء بسرعة!"
جملة مثل هذي تخليك تتأمل الصورة الكبرى لعصرنا الحالي اللي كل شيء فيه سريع، ويدفعنا لسؤال:
من الفاعل الرئيسي بهذه الثقافة الرقمية؟
هل المستخدمين ينتجون الثقافة بأنفسهم (مبدأ الحتمية الاجتماعية)؟
أو معمارية التصميم تفرض الثقافة علينا (الحتمية التقنية)؟
وعشان نجاوب على هذا السؤال نحتاج نرجع للخلف، ونراقب تطور الانترنت ودور المستخدمين في كل عصر.
سابقًا، كان عصر الانترنت Web 2.0 قائم على اللامركزية، مافيه طرف رئيسي يتحكم، بل عبارة عن مدونات ومواقع والمستخدم يتفاعل هنا ويقرأ هناك، دوره آنذاك كان يُنظر له كفاعل أساسي لنجاح هذه المنظومة وفق ثقافة المشاركة (Participatory Culture).
لكن التوازن أعلاه ما استمر طويلًا، أصبحنا بعدها نعتمد على التطبيقات في الأخبار، التواصل، والترفيه. هذا التغيير قادنا لنقطة تحول من الفضاء المفتوح للفضاء المغلق، وكبر معها دور منصات التواصل وظهور ما يُسمّى بالعصر المنصّاتي (Platformisation) حيث أصبحت منصات التواصل ذات فاعل اجتماعي واقتصادي، ليست منصات ترفيه فقط. ومن هذا المنطلق اشتدت المنافسة، وسلوك المستخدمين أصبح في أعلى الأولويات لغرض التغذية الراجعة لخورارزميات هذه المنصات (Attention Economy).
الجدير بالذكر ان هذا التحول لا يقتصر على البنية التحتية، بل تجري تبعاته حتى على ثقافة المستخدمين نفسهم، حيث أشارت أبحاث عدّة الى فروقات محورية في تشكل ثقافة مستخدمين المنصات وفق اختلاف التصميم التقني لها، حيث ان منصة مثل Reddit قائمة على المجتمعات وحرية اختيار المستخدم للمحتوى اللي يظهر له انتجت مجموعات متجانسة (غير معزولة وفق اهتمامات معينة)، على النقيض منصات مثل Facebook, Twitter (now X) تعزل المستخدم وفق المحتوى اللي يهتم له (Algorithmic Sorting)، ثم تبدأ الخورازميات تستهدف هذه الاهتمامات لضمان استمرارية استهلاك المحتوى (Algorithmic Targeting)، ومن الصعب ان يخرج المستخدم من هذه الفقاعة (Filter Bubble).
نستنتج ختامًا أن المستخدم دائمًا ما كان له دور في الثقافة الرقمية، وأن العلاقة بين الانترنت والمستخدم لا تقوم على طرف واحد، ولكن غياب الموازنة بين المستخدم والبنية التحتية قد يسهم في خلق ثقافة رقمية غير محايدة.