الوكالة البشرية والذكاء الاصطناعي
عندما عارض الفيلسوف اليوناني أفلاطون الكتابة منذ أكثر من ألفين عام، كان مدافعًا عن الذاكرة البشرية وقدرات العقل، وأنه يخشى أن الكتابة تهدد الذاكرة، لأننا نعتمد على ما هو مكتوب بدلًا من أن نتذكره. وعندما بدأت الثورة الصناعية في إنجلترا، احتج العاملون على المصانع خوفًا من أنها تُفقدهم وظائفهم. وفي سبعينيات القرن الماضي، قُوبلت الآلة الحاسبة برفض شديد لدمجها في التعليم، وتحديدًا من قبل الأستاذة، خوفًا من أنها تُضعف استقلالية الطالب، وتفقدهم مهارات العد والحساب، كان الحل آنذاك، ضم الآلة الحاسبة في التعليم والواجبات مقابل رفع المتطلبات والتوقعات من الطالب، فأصبحت الحاسبة جسر للمهارات الحسابية المتقدمة.
عندما نتأمل هذه الأحداث، نستوعب أن البشر دائمًا ما يميلون للتكيف مع مختلف الابتكارات على مر العصور، وأن التكنولوجيا بذاتها ليست تهديد، بل التهديد أن نسمح لها بأن تسلبنا بشريتنا، ونعتمد عليها اعتماد أعمى غير مسؤول، فهل نلقي باللوم على هذه الابتكارات؟ أم على أنفسنا؟ ومن الذي يفترض أن يكتب قواعد هذه اللعبة؟
هنا يأتي دور »الوكالة البشرية« حيث تُعنى بكل ما يتخذه الإنسان من قرارات مستقلة ناتجة عن صميم رغبته ووعيه، فإن أردنا لوم الذكاء الاصطناعي على ما أحدثه من تغييرات في عالمنا في الآونة الأخيرة، هل ينبغي علينا أيضًا أن نحارب السيارات؟ فنحن نقود السيارات يوميًا، والبعض قد لا يمشي يوميًا، حتى لو لنصف ساعة، بالرغم من فوائد المشي التي لا تخفى على أحد، فهل السيارات سلبتنا الحركة؟
بالنظر إلى الماضي، نرى أن الابتكارات سلكت – نوعًا ما – مسارًا مشابهًا في الاتساع والحوكمة، ولكن ما شهدناه مؤخرًا، وتحديدًا في أواخر العام ٢٠٢٢، عندما أطلقت شركة »أوبن إيه آي« نموذجها الشهير للذكاء الاصطناعي التوليدي »تشات جي بي تي«، تغيرت القواعد، كونه أحدث بدوره اكتساحًا غير مسبوق في الابتكارات التكنولوجية من حيث سرعة التبني والانتشار، فسرعان ما تداخلت الأداة في مختلف المجتمعات، محققةً نجاحًا مذهلًا، وتبنّيًا واسعًا يسبق الحوكمة والتشريعات، وهذا ما جعلنا نقف في منطقة رمادية نتساءل: ما الاستخدام الصحيح؟
بالرغم من أن هذا الابتكار يمس شتّى القطاعات وطبقات المجتمع، إلّا أنني أخشى تحديدًا على أطفال الجيل الصاعد الذي لا يزال يقصد المدارس لطلب العلم، لم يلتحق بالجامعة حتى الآن، ولا بالوظيفة. كيف نحرص على مهاراتهم النقدية؟ وتعاملهم مع هذه الأدوات لنحافظ على أحد أهم ركائز النجاح – وهو التعليم.
من هذا المنطلق، يتكاتف العلماء الآن من مختلف الحقول، علماء الحاسب الآلي، علماء الفلسفة، المجتمع والتربية لحوكمة هذا الانتشار السريع، وإعادة تعريف الوكالة البشرية للتقنيات المعاصرة، وأيضًا تطوير إطارات عمل للتعاطي مع هذه الأدوات، سواء كانت لقطاع التعليم تحديدًا أو حتى باقي القطاعات وأفراد المجتمع، حيث يلقى هذا الحقل اهتمام وتمويل لحوكمة هذا الابتكار، وفق ما يُسمى بثقافة الذكاء الاصطناعي.
ختامًا، ينبغي على مختلف القطاعات أن تتكاتف اليوم لبناء مهارات التفكير النقدي للتعامل مع هذه الأدوات، ومعرفة حدودها وتبعاتها، لا سيما المتخصصين في الحاسب الآلي، فهم أكثر من يدرك آلية عمل هذه التقنيات والقوة الحاسوبية خلفها. المؤكد، هو أن التكيف والتغيير المستمر أصبح مطلبًا، ويجب علينا في ظل التسارع غير المسبوق مواكبة الأبحاث وعكس أحدث التوصيات بعد مراجعتها لكي نحرص على جودة مخرجاتنا. ليس التحدي اليوم في رفع كفاءة مخرجات الآلة، بل التحدي أن نبقى بشرًا في عصر الآلة.